العلامة المجلسي
150
بحار الأنوار
يعني النبوة بين الخلق ، ثم قال : " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا " أي نحن قسمنا الرزق في المعيشة على حسب ما علمنا من مصالح عبادنا ، فليس لأحد أن يتحكم في شئ من ذلك ، فكما فضلنا بعضهم على بعض في الرزق فكذلك اصطفينا للرسالة من شئنا " ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات " أي أفقرنا البعض وأغنينا البعض ولم نفوض ذلك إليهم مع قلة خطره فكيف نفوض اختيار النبوة إليهم مع عظم محلها وشرف قدرها ؟ " ليتخذ بعضهم بعضا سخريا " معناه أن الوجه في اختلاف الرزق بين العباد في الضيق والسعة زيادة على ما فيه من المصلحة أن في ذلك تسخيرا من بعض العباد لبعض بإحواجهم إليهم ، ليستخدم بعضهم بعضا فينتفع أحدهم بعمل الآخر له فينتظم بذلك قوام أمر العالم ، وقيل : معناه : ليملك بعضهم بعضا بمالهم فيتخذونهم عبيدا ومماليك " ورحمة ربك خير مما يجمعون " أي الثواب ، أو الجنة ، أو النبوة . ( 1 ) " فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون " أي فإما نتوفينك فإنا منتقمون من أمتك بعدك " أو نرينك الذي وعدناهم " أي في حياتك ما وعدناهم من العذاب " فإنا عليهم مقتدرون أي قادرون على الانتقام منهم وعقوبتهم في حياتك وبعد وفاتك ، قال الحسن وقتادة : إن الله أكرم نبيه بأن لم يره تلك النقمة ولم ير في أمته إلا ما قرت به عينه ، وقد كان بعده نقمة شديدة . وقد روي أنه صلى الله عليه وآله أري ما يلقى أمته بعده فما زال منقبضا ولم ينبسط ضاحكا حتى لقى الله تعالى . وروى جابر بن عبد الله الأنصاري قال : إني لأدناهم من رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع بمنى قال : لا ألفينكم ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وأيم الله لئن فعلتموها لتعرفنني في الكتيبة ( 2 ) التي تضاربكم ، ثم التفت إلى خلفه فقال : أو علي أو علي ثلاث مرات ، فرأينا أن جبرئيل عليه السلام غمزه فأنزل الله تعالى على أثر ذلك " فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون " بعلي بن أبي طالب عليه السلام . وقيل : إن النبي صلى الله عليه وآله أري الانتقام منهم ، وهو ما كان من نقمة الله من
--> ( 1 ) مجمع البيان 9 : 46 . ( 2 ) الكتيبة : القطعة من الجيش .